الشيخ داود الأنطاكي
35
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
المقدمة في ذكر ما تمس الحاجة إلى تقديمه في هذه الصنائع الفاضلة ، ويجمع جنس الارتباط الكلي وتناسب أنواع الموجودات بالطريق العقلي ، وكيفية التداخل وأسرار التمازج والتقابل ، وتحته أنواع وفصول لا تحصى وخواص وأعراض لا تستقصى ، لكن العاقل إذا أمعن النظر اهتدى بالحدّ إلى العدّ وبالاجمال الصحيح إلى التفصيل الصريح . إذا عقلت هذه الإشارات ، فاعلم : أن وجود الواجب المطلق حيث لم نعقل له أولية يكون « 1 » الوجود في الحقيقة عند الاطلاق مخصوصاً به ، ويقال لهذا المعنى « القدم الذاتي » فما سميّ أو اتصف بعد ذلك به مجازاً لا يعطيه الاطلاق عند عاقل فرداً من الكائنات . إذا أحكمت هذه المقدمة ، فمثبت القدم حينئذٍ لغير الواجب اما أن يريد الذاتي ، أو الزماني أو المعنى المشترك بينهما ، لكن لا سبيل إلى الأول ؛ لما عرفت من عدم تعلقه ، ولا إلى الثالث ؛ لتطرق الاحتمال المبهم الموجب لسقوط الاستدلال كما هو مقرر في صناعة أخرى ، وبقي أن يريد الثاني ، فإن كان القول به جائزاً فلا تكفير بهذه المسألة لاحد ، أولًا ، فلا بد من نص لا يحتمل التأويل على ذلك ، ولم نرَ شيئاً ، فالأليق على هذا اما الوقف على ورود شيء رافع للشك أو القطع بالصحة ؛ صوناً للنفس واحجاماً عن نفي واحد فضلًا عن كثيرين في الدين الذي هو أعز ما يجب حفظه . إذا تقرر هذا فقد بان أن الوجود المطلق غير مخالط لشيء من الأشياء . فما سمعت بعد من تقسيم جسم أو جوهر أو عرض لازم أو منفك
--> ( 1 ) كذا ، والأنسب : ( ( فيكون ) ) . )